عندما راها اهل الحي اول مرة,كانت قد فرشت زاوية منزل الحاج التهامي بورق الكرتون,والبلاستيك,وجلست عليه, تنظرالى المارة بعيون منكسرة.وجهها انمحت ملامحه,وحلت محلها خطوط طويلة, وعميقة; غزته في كل الاتجاهات.عيناها مازال ينبعث منها سحرغامض, رغم سنين عمرها الكثيرة جدا.شعرها كان ملفوفا في خرقة, بهتت الوانها, حتى ماعاد الناظريستطيع تمييزها.وبعض الشعيرات البيضاء المنفلتة, كانت تزيد منظرها البائس بؤساوسوء ا.تساءل الناس عن هوية تلك المراة المسكينة, ونسجت حولها القصص والاساطيرفي كل بيت.اما هي فكانت صامتة,تعيش على صدقات بيت الحاج, وبعض الجيران فيما بعد,دون ان تنبس باكثرمن كلمات شكرغيرمفهومة, اوبصرخات تمزق صمت المكان بين الحين والاخر.في لحظات صفوها,كانت تضحك كالاطفال مع المارة, وتاكل بشراهة مايقدم لها من طعام, وقد تنهض من فراشها لتتحرك قليلا,اوتلاعب القطط والكلاب. لكنها سرعان ما تعود الى صمتها,وحزنها الغريب, وتستلقي على فراشها الذي غادره الدفء منذ زمن طويل.وتحدث نفسها بكلام لا يعلم معناه الا الله.كان البعض يعتقدون انها نصف مجنونة, والاخرون يؤكدون انها مجنونة تماما,دون ان يستطيع اي فريق تاكيد رايه بشكل قاطع.ظلت هكذا طيلة الوقت, تثيرالشفقة في القلوب, خاصة ان الجو,بدا يتغير بشكل مفزع, مع بداية فصل الشتاء البارد جدا هنا.بعض الرحماء وهبوها غطاء ثقيلا, يقيها البرد القارس, الذي يجمد في الليالي, مياه الامطارالغزيرة, التي اغرقت الشوارع, والازقة على غيرالعادة.لكنهم لم يستطيعوا, او لم يفكروا بتدبرسقف,ياويها من المطر,و من المتشردين والسكارى, الذين يتربصون بها في ضلمة ركنها المنعزل, في المساء عندما يغلقون الابواب والنوافذ. اقاصيص كثيرة كان الناس يتحاكونها عن تلك المراة,يقولون انها كانت ذات يوم باهرة الجمال,تزوجها رجل غني جدامن ابناء المنطقة ,لكنه بعد سنوات من السعادة,لم تستطع خلالها الانجاب,تخلى عنها, وتزوج ثانية,فرفضت العيش كمتسولة مع زوجها وزوجته,وانطلقت في دروب الوحدة و متاهة الليل, وحياته الصاخبة المثيرة,وربت عدة ابناء يتامى ,سرعان ما تخلوا عنها بعد اشتداد عودهم وشيخوختها.اما اخرون, فيؤكدون انها انجبت بالفعل,لكن ابناءها تخلوا عنها بعد انكشاف ماضيها.غيران فريقا اخر,كان يؤكدعلى ان المراة,فرت وهي بعد طفلة من بيت ابيها الشيخ الجليل مع شاب,لم يتزوجها ابدا.ومهما تكن بداية قصتها, فنهايتها يشهد عليها كل ابناء الحي,الذي تنزوي في زاوية منه غيرمكثرتة لشيء.الحاجة زوجة التهامي هي اقرب شخص اليها,فكثيرا ماراها الناس,تلاطفها وتتحدث اليها عن ابنائها, وتطمئنها الى حتمية عودتهم اليها في النهاية, والاخرى تبكي بدموع ساخنة وتجيب بكلمة امين.ذات صباح,عادت الخادمة الى بيت الحاج ومعها فطورمي فاطمة غيرممسوس,سالتها الحاجة متعجبة:ـ لماذا تعيدينه؟ـ مي فاطمة غيرموجودة,وفراشها ايضا.تنهدت الحاجة وهي تعتقد ان ابناء مي فاطمة جاؤوا,واخذوها.عندما لاحظ الجميع اختفاء المراة الغريبة,تنفسوا الصعداء دون ان يتحدث احد بامرها بعد ذلك.لكن كل من كان يمرقرب زاويتها الصغيرة,كان يرى طيفها هناك, جالسا يبتسم .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق