خرجت من المنزل,بخطوات مسرعة تحث اللحظات على ملاحقة ظلها الهارب,وقفت على حافة الطريق,تبحث بنظرات تائهة عن اللون الأصفر بين كتل الحديد المتسابقة على الإسفلت.ـ تاكسي. قفزت قفزة جنونية إلى الداخل,ثم أومأت إلى الرجل ذي النظرة المتسائلة برأسها,فيما خرجت الحروف من فمها,كأنها تصعد من حفرة عميقة,تملأ جوفها مياه آسنة.تشكلت الصورالقديمة في عقلها بشكل جديد,واختلطت بالمناظر المألوفة خلف زجاج السيارة القديمة.شارع المسيرة حيث ولدت قبل عشرين. ..لا ثلاثين سنة,مدرسة البنات حيث تعلمت الكتابة والقراءة,ثانوية الفارابي حيث عاشت أول حب....ثم ثاني وثالث. ...لا الأول فقط و الأخير في حياتها.ذرفت عيناها دمعتين,مسحتها بأطراف أصابعها,انتفضت من أحلامها,عندما توقف التاكسي عند إشارة المرور,تدافع المارة,يقطعون الطريق,يدا في يد,مر عاشقين شابين أمامها ,تابعتهما بأسى حتى اختفيا,ابتسمت وهي تتصور أن الجدران المهترئة تسخرمنها,ومن كل تلك السنوات التي مرت فيها من هنا, يدا في يد مع مخلص,حالمة بالمستقبل المشرق,في كنف الحب الكبير.تنفست الصعداء عندما اختفى الشارع تماما خلف دخان السيارة المسرعة,ومعه صورة حبيبها الوسيم مخلص.شعرت بالصداع الأليم يعود ليمزق خلايا عقلها,للحظة ماعادت تدري من هي, ولا أين تذهب,تزاحمت الحقائق والأوهام,تذكرت مخلص,وقالت بصوت مسموع:ـ تواعدنا على اللقاء اليومنظرالسائق إلى الوجه الشاحب في المرآة دون أن ينبس بحرف,فيما تذكرت أن مخلص قد هجرها بالأمس,قبل الأمس,قبل زمن طويل...., فكرت قليلا ثم لمعت في رأسها فكرة,ابتسمت لها برهة,ثم عبست مجددا.همهمت تحدث نفسها,فيما كف السائق عن التحديق بها:ـ كل أسبوع,أذهب إلى الطبيب,يظنوني مريضة,إنهم جميعا مجانين,لن أذهب إلى المستشفى بعد اليوم.توقفت السيارة,فبادرالسائق: ـ وصلنا,تفضلي.رمقته بنظرة بليدة ثم مدت يدها إليه بالنقود,تحركت بضع خطوات كالتائهة ثم توقفت,نظرت حولها حائرة,قبل أن تقول بذهول:ـ آه,وجدتك أخيرا,لن يتمكن الأعداء من اللحاق بي,لن أسمح لهم باحتجازي,أبدا.....أبدا.نظرت من أعلى القمة الشاهقة إلى أسفل,بدت البنايات صغيرة كعلب كبريت,قهقهقت, وخطت في الفراغ,غير آبهة لصرخات حملتها الرياح من بعيد.شعرت ببرد شديد,فيما انزلقت خيبة الحب, وسنوات العلاج,والوحدة,والألم إلى الفراغ, قبل أن يتحطم الجسد النحيل على صخور الجبل العطشى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق