السبت، 26 أبريل 2008

سقراط

منذ عدة ايام,والحاج سقراط على غير عادته,صاربشوشا لطيفا نشيطا ومرحا ايضا.لكن الجميع كانوا يعرفون سبب هذا المزاج الرائع الذي يلازم الحاج.فمنذ ترشحه لخوض غمار الانتخابات ,فهم كل الناس سبب الابتسامة العريضة التي لم تعد تفارق وجهه,والسبحة التي سكنت يده فجأة.زوجته الحاجة زبيدة هي الوحيدة التي لم ينلها اي حظ من طيبته وحنانه واريحيته غير المعهودة.هي وحدها من كانت ترى نظراته الشرسة, وقبضة يده المتوعدة,وتسمع شتائمه التي صارت بقدرة قادر,لا تخرج من فمه الا وهوتحت أغطيته وقت النوم.منذ عدة أشهر,اثار الحاج سقراط استغراب أهالي المنطقة عندما باع الجزء الاكبرمن ممتلكاته,متخليا عن ارضه,وجراريه,وعدة سيارات ,اضافة الى مجوهرات زوجته الثمينة,لتختفي الاموال دون ان يظهر لها اثر.بعدها بدأ الكهل القوي يتغيرشيئا فشيئا,صارمتواضعا, يتودد الى الفلاحين الذين كان قبل ايام يعتبرهم بغالا, مجاملا لا يفوته عرس ولا جنازة,حتى انه تكرم بتعزية احد اجرائه في وفاة حماره المسن الاجرب.والادهى من كل ذلك ,انه اصبح كريما, حتى لقبه بعض شباب القرية بحاتم.في كل يوم,يقيم المآدب ويدعو اليها الكل صغارا وكبارا,ليتعرف هؤلاء الجياع للمرة الاولى على طعم اللحوم المشوية, والفواكه الغريبة والسلطات والعصائر,والحلويات ايضا .كان منظر المدعوات يثير الضحك والشفقة,وهن منصرفات من بيت سقراط,بعضهن وضعن قطع اللحم في مناديل رؤوسهن, واخريات رفعن اثوابهن, ووضعن فيها كميات هائلة من الحلوى الدسمة,دون ادنى اهتمام بالبقع المتراكمة عليها. وهكذاظل الحاج, حتى اعلنت نتائج الانتخابات,واكتشف انه لم يفز.لم يصدق في البداية, ان خصمه اللذوذ هو من اصبح نائبا.بدا مذهولا للحظات,قبل ان يستعيد كبرياءه, ويشرع في الصراخ, وسب كل الناس,وتحطيم كل ما تقع عليه يده.لم يهدا الا عندما تدخل ابناؤه واصهاره,بعد محاولات عديدة.سجن الحاج نفسه في حجرة نومه لعدة اسابيع,منعزلا عن العالم الردئ الذي طعنه من الخلف بلا رحمة, ولا اخلاق.كان مضربا عن الطعام والكلام,حزينا على امواله, واملاكه, ومقعده الضائع,حتى اعتقد الجميع ان الرجل يعيش اخر ايامه.ذات صباح,استيقظ الحاج باكرا,حلق ذقنه الطويلة,وارتدى اجمل بذلة في خزانته,تتبعه نظرات المرأة المتسائلة,ابتسم لوجهه في المرآة,ثم طلب منها ان تامرالسائق بالاستعداد للسفر.ـ الى اين هكذا فجأة؟ـ يجب ان اكون اليوم في العاصمة,لا اريد ان اغيب عن مراسيم تعييني.ـ تعيينك؟ـ انت امرأة جاهلة لا تعرفين شيئا.ساصبح وزيرا الا ترين هذه الاوراق,بعثوها لي من الوزارة.خرج الرجل مسرعا, وهويكاد يطيرفرحا,وبيده ملف ضخم ,فيما ظلت زوجته تنظرمندهشة حولها, وهو يرحل مع اشعارات كثيرة من البنوك,تهدده بالافلاس.

الثلاثاء، 22 أبريل 2008

نهاية

تستيقظ كل يوم في حوالي العاشرة.تتناول فطورها مع امها العجوز,واختها الصغرى.شاي وخبزوزبدة, واحيانا حليب بدل الشاي ومربى ايضا عندما تتيسر الاحوال,ما ان تنهي طعامها,حتى تتوجه الى المراة,تتزين وتصفف شعرها,وتضع احد فساتينها الجميلة,ثم تخبر امها انها ذاهبة الى الخياطة, او الى مصفف الشعر,او لزيارة احدى صديقاتها.تغمغم شقيقتها الغاضبة ببضع كلمات غيرمفهومة,بعد ان تسمع صوت الباب الذي صفقته الاخرى, وهي تغادرالى الخارج,فيما تتمتم العجوز ببضع دعوات. .منذ سنوات طويلة, اعتادت أن تخرج كل يوم في هذه الساعة,لم تطق ابدا ان تسجن بين اربع جدران في انتظار ما سياتي,بعد ان تخلت عن دراستها, لتتفرغ لمستقبلها كزوجة,كما كانت تقول كل النسوة . كانت طالبة مجتهدة وذكية,عندما تسلل الحب الى قلبها اول مرة .تتذكرملامح وجهه,وابتسامته,ونظرته الثاقبة اليها,وهي جالسة امامه,كانت تعلم,بحدسها الانثوي,انها تعجب استاذها الشاب,سرعان ما وقعت في المحظور,واستسلمت لرغبته,تحول الحلم بسرعة الى كابوس مفزع, انقطعت علاقتهما بشكل مفاجئ ,ثم تزوج رجل احلامها بفتاة اخرى,كانت تتعلم معها في نفس القسم.لم تستطع ان تتحمل جرح انوثتها,وضياع احلامها,فانقطعت عن الدراسة,ولازمت المنزل بضع اسابيع,ثم ما لبثت ان ضجرت من تعلم الطهي والخياطة ,فبدأت تخرج احيانا لتبحث عن عمل,يدر دخلا اضافيا يساعد الاسرة .تتوالى في ذاكرتها, صورالرجال الذين التقتهم في طريقها الطويل, بحثا عن الحب.بعد الاستاذ, تعرفت الى موظف في بنك,انبهربجمالها الخلاب,وطلب منها الزواج ,ثم ما لبث ان استدرجها الى بيته,واقنعها بحبه, واخلاصه, ونيته الصادقة في الارتباط بها, بالايمان, والوعود, والهدايا ,ولانها كانت تتمنى ان تتزوج, وتستقرفي بيت مستقل عن اهلها,وتصبح اما, ولان عيونها كانت حساسة للبريق الاصفر الاخاذ, وقعت للمرة الثانية.استمرت علاقتها بالرجل شهورا طويلة,قبل ان ينتقل الى بلد اخر,ويترك الفتاة الجميلة وحيدة.بكت لعدة أيام,وبكل فرحة العالم, توصلت برسالته الاولى,ثم برسالة ثانية ملتهبة اشواقا و غراما.بعدذلك انقطعت أخباره. وبمرور الايام,نسيت حبيبها الضائع.بعد حوالي السنة,تعرفت على اخ مهاجر لاعزصديقاتها,عاد لتوه من الغربة.شعرت معه لاول مرة منذ زمن بالدفء والامان,وتمنت من اعماق روحها ان يكون رجلها المنتظر.كان يعيش وحيدا ,يبحث عن زوجة,وجدت فيه مقومات الزوج المناسب الذي تتمناه كل فتاة, رغم ذاكرته الملئى بالمغامرات .بعد عدة لقاء ات, دعاها الى بيته,ولما ابدت تمنعها,استغرب الامر, اذ كيف لامرأة ناضجة ومتعلمة مثلها ان تعيش بافكاربالية سخيفة.بعد التفكير,اقتنعت برايه,خاصة أن شابا عصريا كحبيبها,لا يمكن ان يتزوج الا فتاة عصرية متحررة.وسقطت في الفخ مرة اخرى,رغم انها اقسمت الاف المرات الا تقع فيه ابدا.عندما عاد حبيبها الى المهجر,عرفت بالصدفة,انه عقد قرانه قبل رحيله على احدى بنات عمه, وهي فتاة صغيرة لم تتعلم ابدا.ذرفت عدة دمعات قبل ان تنام ليلتها,و استيقظت في الغد,وكأن شيئا لم يكن.عرفت بعد ذلك رجالا آخرين,لم تجد بينهم ذلك الذي طالما علمتها امها كيف تصبرعليه,وتطيعه,وتحشومعدته لتصل الى قلبه. انتقلت من يد الى يد,وتناثرت سنينها كحبات رمل من بين كفيها.أصابها ذعركابوسي,يوم اكتشفت اول شعيرة بيضاء في رأسها,ثم تجاعيد صغيرة تحت عينيها,ثم جفاف جلد يديها,ولم تعترف لنفسها بالحقيقة,الا بعدما سمعت كلمة (عانس) من ابنة الجيران خلال شجارعنيف بينهما.شعرت لحظتها كانها تستيقظ من سبات طويل,استغرق شبابها كله.لكنها لم تبك كعادتها. عندما قامت من فراشها اليوم مبكرة,غطت شعرها بمنديل,ووضعت شالا صوفيا على كتفيها,كانت هادئة جدا, وهي تتحدث,باردة على غيرطبيعتها,منكسرة النظرات, بغصة تعودت العجوز مرارتها , نظرت اليها, وفي عينيها دمعة صامتة.

الأحد، 20 أبريل 2008

عري

عندما دخلت من الباب الخشبي الكبيرالى القاعة الواسعة,التي يجلس في قلبها القاضي,كانت فتاةعادية,يختفي وجهها خلف اطياف حزن لامرئية,وتستقرفي عينيها نظرة جامدة,خالية من كل شعور.التف جسدها الصغيربجلباب واسع,ذي اكمام طويلة, والوان غامقة كثوب حداد.للحظات ثقيلة ,حبست أنفاسها بالداخل,كيلا تنفلت من بين شفتيها تنهيدة,تفضح احساسها المريربالعار,والظلم.ظلت طوال الوقت,شاخصة ببصرها الى الرجل ذي الثوب الاسود الطويل,الذي يتحدث بحياد وبرود يثيران الحنق, دون ان تلتفت الى الكائن المتشنج الجالس الى جانبها,والذي كان قبل أيام,ينام في فراشها,ويتشمم رائحة عطرها,ويتحسس كل اجزاء جسدها بشغف.مر زمن, قبل ان يفتح الباب,ويسمح لها بالخروج من الغرفة الخانقة الى هواء الخارج البارد.اصطدمت عيناها لأول وهلة,بعيون كثيرة,تحدق فيها بحدة,شعرت ببرد شديد,وقشعريرة تسري في شرايينها,نظرت الى أطرافها, لتكتشف فجأة انها عارية تماما.لم تفهم كيف حصل ذلك,ولا متى, وفي اي لحظة غريبة فقدت ملابسها.وضعت يديها بحركة غريزية,على جسدها,محاولة إخفاء عورتها,وثدييها,لكنها ظلت تشعربالنظرات الحادة,تتسلل مخترقة يديها ولحمها,لتستقرعميقا في عظامها.خطرلها أن تبحث عن أي شيء,تغطي به جسدها,الذي أنهكه فضول العيون المتلصصة.نظرت حولها بذعر,لم تعرف له مثيلا في كل حياتها.كانت أشجارالشارع عارية من الأوراق,جرت كالمجنونة ,تبحث عن ورقة ملقاة هنا أو هناك,دون جدوى.لأول مرة,ترى الطرقات نظيفة هكذا.ظلت العيون تتبعها حيثما ذهبت,بنظرات متشفية,وبريق يوغل في عتمات روحها,وهي تركض وتبكي.استعطفت المارة,وتسولت غطاء يسترها,لكن الجميع كانوا يغرزون في لحمها البض,خناجر احداق جاحظة,وعلى وجوههم ابتسامة بشعة.التقت اخيرا بامرأة في منعطف,ارتمت عليها, وخطفت منها وشاحا تضعه على وجهها,غيرأن الاخرى,هاجمتها بلا رحمة, وبصقت في وجهها:ـ ايتها الساقطة.قبل أن تستعيد وشاحها وترحل,وهي تسب المرأة العارية بكل احتقار.لماتعبت المرأة اليائسة من الجري والبكاء والتوسل ,انزوت في ركن تحت شجرة ,نظرت الى السماء الزرقاء,والى البنايات والوجوه, شعرت بالجوع الشديد,فتذكرت سقف بيتها, وشرارات مدفاتها,قامت متثاقلة,ثم انصرفت الى حال سبيلها مرفوعة الراس.

الأحد، 13 أبريل 2008

حادثة

كانت السيارة منطلقة بسرعة كبيرة,كأن لها أجنحة تمزق عنان الاثير,توالت المشاهد على ناظريها ألوانا متداخلة,فيما كان تيارهواء بارد ينكسرعلى وجهها,مداعبا خصلاتها النزقة.تغلق عينيها بين فترة وأخرى,دون أن تستطيع استجماع أفكارها الممزقة بين شغب الصغارفي الخلف,وصورة العجوز المتمردة في مخيلتها على الموت.فمنذ عرفتها وهي تراها قوية كصخرة بلا قلب,لذا ربما لم تحبها أبدا,أوتفهم فظاظتها معها خاصة في غياب الابن.تتذكربأسف متردد أنها طالما تمنت نهاية حماتها,فيقشعربدنها.انتبهت فجأة إلى الفرملة القوية,التي هزت السيارة هزا عنيفا,لكنها لم تفلح في إيقافها, لتظل متجهة رأسا إلى الشاحنة القادمة في الاتجاه المعاكس,اعترى المرأة رعب,وهي ترى الموت يحث الخطى نحو أسرتها,تمنت حدوث معجزة,ثوان قبل أن تصرخ صرخة مدوية تبعها صوت ارتطام قوي.شعرت بألم حاد يعتصركل ذرة في جسدها,فتحت عينيها بصعوبة,فاخترقتهما شعلة نارية,ثم زرقة مترامية ,حاولت أن تتحرك لتطمئن على زوجها والاولاد,دون جدوى.ـ طارق.....لمياء...أجهدت نفسهالتتحدث لكن صوتها خرج ضعيفا,انتشر خدرشديد في شرايينها ببطء,وانسدل ستارثقيل على عينيها,غمغمت وهي تغالب الاغماء:ـ أشهد أن لا....إل....ه.. ه.هه..عندما استعادت الوعي,تسللت إلى أنفها رطوبة مقززة,تذكرت الحادثة, لكنها لم تشعربالالم مطلقا,شعرت بفرحة صغيرة ,وهي تعود إلى الحياة,فتحت عينيها,فتسرب عبررموشها دفء خيوط ضوء دقيقة,وأطياف بيضاء,و إلى أذنيها صوت مألوف يسكن في أعماق الذاكرة.ركزت بصرها أكثر,لكن دون أن تميز ملامح الوجوه,فيما ملأ رئتيها دخان ورائحة شواء.