الأربعاء، 13 فبراير 2013

العصفور


في العاصفة
نظرالعصفورإلى السماء القاتمة,وتنهد متمنيا ألا تكون الليلة أيضا كسابقاتها,حرك جناحيه بكسل,ثم طار في الفضاء الرحب,باحثا عن أعواد صغيرة يضعها على جدران عشه ,حتى لا يداهمه صقيع الليل القارس في سريربارد. ظل هكذا طيلة النهار,متطلعا بين الفينة والأخرى إلى السماء متوسلا,فيما رمقته هي من فوق بازدراء متعال. حل الليل قاسيا كعادته في فصل الشتاء,تسلل إلى عظام المارة,مستمتعا بقشعريرة تسري باردة,فتصطك لها الأسنان,وتتسارع لها الخطى . آوى العصفور إلى عشه, سربدفئه ,فغطى رأسه بجناحيه,ونام. لم يسمع الكون غضبة السماء,إلا عندما انفجرت مزمجرة,تحركت أوراق الشجربقوة مجنونة,وأضاء البرق عتمة الليل, فتطايرت أعواد القش التي كانت تكسو العش الصغير الرابض بين أغصان صفصافة عجوز.استيقظ العصفور فزعا،وانشغل بلملمة الأغصان المبعثرة ،فيما عادت الرياح إلى جنونها ، بللت الأمطار جناحيه، فرفع رأسه إلى فوق منتظرا الفرج القريب. حل الفجر، وأطلت الشمس مبتسمة ،فيما رحلت العاصفة بعيدا ومعها تغريدة العصفورالأخيرة.
 قبل العاصفة
أشفقت على العصفورالسجين بين قضبان القفص المعلق على الباب،تمنيت لولم  يرم به حظه العاثر بين يدي صياده،الذي حبسه ثم باعه كسلعة رخيصة، تزين ركنا ما في مكان ما في هذا العالم الجليدي .
جلست طويلا أنظرإلى ألوان ريشه الزاهية، وأغنياته الحزينة التي تصورتها  تحكي عذابه داخل قفص لا يسع انبساط جناحيه.
داعبت أجفاني غفوة لذيذة،استسلمت لها بعد أن تركت العصفورتحت سماء زرقاء يستنشق هواء الحرية .
استيقظت بعد وقت فزعة،انقلب النهارليلا،والنورظلاما،فقفزت من فراشي،وصعدت الأدراج راكضة،وجدت العصفوروحيدا يواجه العاصفة، أخرجته من سجنه،ومسحت ريشه المبتل،ثم وضعته وانشغلت بإغلاق الباب،كان الظلام دامسا،مشيت بتؤدة،تحسست قدمي كل خطوة،خوفا من الدوس على العصفور،فرحت عندما أضاء نور الكهرباء من حولي،كان أنينه خافتا،وضربات قلبه متلاحقة،أخذته بين يدي،كان ينتفض بقوة،ثم هدأ.
أدركت متألمة أنني سلمته لقدره،فاستسلمت لقدري.

نقوشات جريحة

حاولت طوال عصورأن أمحوها من وجودي، كنت أحيانا أحلم بها تطرق عقلي،تحدثني 

وتناقشني،بل تبصق في وجهي ،وعندما أفتح عيني تفرمني .


 أطاردها إلى المخبأ السري الذي تعودت أن تذهب إليه،بعد أن كانت تسكن دمي،فلاأجد 


سوى السراب.


يصعب على المرء أن يفقد من يحب،خاصة عندما يعاشرحبيبه طويلا،يتساكنان 


ويتآلفان،ينامان معا دون أن يستيقظ أحدهما منزعجا من شخيرالآخر،يأكلان معا طعاما بنكهة 


روحيهما، يكتسبان طبعا واحدا،ورائحة واحدة،ولكنة واحدة.


لكنها رحلت،وتركتني أداعب آمالا تحييها نجوم الليالي،وتغتالها في الأصباح أشعة 


الشمس.أتنفس كل لحظة رغبتي في لزوجتها،كلما ولجتني بهدوء،وبمنتهى اللذة.


تعريني فأذوب شوقا لمعانقة كل ذرة فيها،تأخذني إلى عالم بلا ألوان،ولا أصوات،لاشيء 


ولاأحد،غيرسحرها، أنفاسها على جسدي،أفقد في أحضانها قدرتي على التمرد،فأستسلم 


راضية لمعشوقتي.


لست شاذة ،كما قد يعتقد البعض،لكن اختفاءها يفقدني صوابي، ويدفعني لملاحقة جنونها 


في متاهات شراييني،وبين نبضات قلبي،لأني تعبت من البحث عن جثتها بين رفات قتلى 


العالم المنكوب,حيث غشي ظلام الأبدية كل شيء.أفتقدها فأفتح خزانتي،أبحث عن آثارها 


الباقية بين ملابسي،أو فوق مكتبي الأزرق الذي يذكرني بليالي الشتاء الباردة.فتنبعث من 


بياض أوراقي ساخرة، تعاتبني برهة،ثم تنقض علي ،تعبث بشعري،تقبلني برعونة،ثم تفتح 


مغاليقها،دون شروط،آخذها كالمرة الأولى،أقطف بعنف أزهارها،ثم أنام كالميتة في 


فراشها.أستيقظ فتداعبني أوراق مبعثرة، لطختها بدمي المسفوك من حبروريدها .

خيانة

تبادلت المرأتان نظرات باردة,وهما على مائدة العشاء,فيما ظل الرجل صامتا,لايثرثر كعادته كل مساء.
تناولت العجوزالخبزة السمراء,قطعتها بيدين خشنتين,ووضعت القطع على أطراف المائدة,ثم بدأت  تغمس لقيماتها,في العجة قبل التهامها.
تناول الزوج طعامه بهدوء,وهو ينقل بصره بين زوجته المترهلة,ذات العينين الحادتين  المترصدتين , واللسان السليط كسوط ,وابنتها الفتية التي نشأت في كنفه,منذ رآها على كتف أمها ذات يوم.
توقفت لقمة في حلقه,حتى كادت تخنقه, عندما التقى بالنظرة  الزجاجية,المصوبة إليه ,تصور أن حدسها ينبئها بما يدور في أعماقه.شرب جرعة ماء,ثم انصرف لينام.
لم تعلق حفيظة ,واستمرت في مضغ طعامها غيرآبهة لابنتها ,التي لم تأكل شيئا.
كانت الفتاة شاردة,تنظر في الفراغ, تتدافع في رأسها أفكار كثيرة ,ويخفق قلبها بقوة بين ضلوعها,كلما تصورت نفسها بعيدة عن امها الجالسة  باطمئنان إلى المائدة الصغيرة.
لاتتذكر والدها,الذي انسحب من حياتها مبكرا ,لكنها ولسبب غامض,تتذكر يوم زواج حفيظة ـ كما تعودت أن تناديهاـ من عمر ,الذي لم تعرف أبا سواه. شعرت بالشفقة على أمها العجوز,لكنها سرعان ما أحست بوخزة مؤلمة,عندما رمتها هذه بنظرة ساخرة:
ـ لم تأكلي شيئا,أتمنى أن أعرف بم تفكرين طوال الوقت ياعزة؟
ـ لاشيء,سأذهب لأنام.
ـ ابقي قليلا إلى جانبي يا صغيرتي الحبيبة.
استفزتها النظرة المتوسلة,فردت بخشونة:
ـ أشعر بالنعاس,دعيني أذهب.
لم تجب الأم,لكنها وضعت يدها على الشعر الطويل بحنان,فيما ظلت الفتاة جامدة.
تمنت في تلك اللحظة ,أن تقتل العجوز ,حتى لا ترى  العاطفة الجياشة ,التي تذكرها بالطفولة,و بليالي الشتاء في أحضانها الدافئة.تبادلتا بضع كلمات دون أن تفصح أي منهما عن مكنوناتها للأخرى,قامت المرأة متثاقلة إلى النوم,فيما بقيت الفتاة مستيقظة,تفكربالزوجين النائمين خلف جدارالغرفة,تستعرفي نفسها نيران عذاب جهنمي                                                       
قررت أن تعدل عن خطتها,لكن الوشوشات المتسللة عبرالجدران,ألهبت جنونها,وحبها الشاذ لعمر. فكرت مرارا في لحظاتهما الحميمية بقتل أمها,لكنهاأبدا لم تستطع,فانتقمت لعجزها بمعاشرة الكهل على فراشهما.
نامت حفيظة ملء جفونها,رغم قلقها على صغيرتها,وحلمت أحلاما جميلة,واستيقظت في الصباح نشيطة,لم تجد عمر فاعتقدت أنه خرج للعمل مبكرا كالعادة,ذهبت إلى الغرفة الصغيرة,لتوقظ عزة فوجدتها فارغة.
انتظرت طويلا عودة الابنة والزوج,خطرت لها فجأة خاطرة غريبة,بحثت في كل أجزاء المنزل المتواضع,دون أن تعثرلأغراضهما على أي أثر, مشت على غيرهدى,استلقت على السرير,جففت دموعها,واستسلمت للظلام.

الأحد، 10 فبراير 2013

إليك يا صديقي


إليك يا صديقي
أهدي هذا الحزن
الذي ينبت في صوتك الخفيض
وأنت ملقى هناك
باهتا ومريض
يحملك جفني صورة
لوعة ودمعة
أخاف أن تأخذك الأبدية
وتتركني هنا
كالعادة…..وحيدة
ابتسامتك الذابلة
ورجولتك الجريحة
تطلعت إلى الحب
بحرقة خجولة
بنظرة رضا وآمال مكبوتة
بخوف…ببراءة
دون أن تقول
غير مقاطع ناقصة
من أغنية مجهولة
أتوسل القدر
أن يحنو….أن يعيرنا لحظات
نختلسها من صفحات العمر
نضحك…نحكي
نجمع صدف الشطآن
 حتى يغمرنا الزبد 
هل يحنو القدر؟
أحس بوخز…عجز
وظلك يتوارى 
ينزوي في عتمة الصمت
حيث لا هواء….لا فرح
أتوسل القدر
أتكبل طواعية بأحزاني
أرتشف بندم
خطايا العالم
أرحل إلى اللعنة
فقط لتكون هنا
 ترسمنا الخطوات
على الرمل
نرتوي من حكايات الأصداف
 من شقاوة الموج
ونثمل بصدى ملحمة البحر.

غزة

بخجل أتقيأ انكساري
أتجرع منتشية 
وحل بشاعتي 
وقذارة عروبتكم
 الدم ما عاد يرعبني
ماعاد يرهبني 
وصورالأشلاء 
على الشاشات الباردة
ما عادت تؤلمني
حتى أني أنام 
بلا كوابيس 
نوما كالموت
وأستيقظ نادمة 
تواقة إلى دفء فراشي
أتلذذ بروحي الخاملة 
أنط كل مساء 
بين الفضائيات
أغاني ومسرحيات 
 جلادون, سماسرة و أموات 
لا شي ء يهزني
 آكل حتى التخمة
لقمة لقمة 
غصتي…حرقتي
أغمسها بالدم مرة 
وبالذل مرات 
وأشتهيها بالقهرمرة
وبمرارة عجزي حتى الغثيان
جفت دموعي منذ زمن
استهلكتها  هزائمكم الأولى
نسيت طعم الملح 
و عزة النفس
عيناي صدئتا
كبنادق جيوشكم المهزومة
أبدا…
كبريائي ذبل 
فما عاد وطأ الهوان
يقرفني
وحدها أحزانكم المزيفة
 صرخاتكم وعويلكم
وحدها أكاذيب نسجتموها 
كخيوط عنكبوت 
تقرفني
تبصقني على وجوهكم 
الكريهة وصمة عار
موتا مخزيا
وكلمات بلا ملامح
 تغازل خيباتكم 
بلون ضحكة بريئة
وغصن زيتون 
وغضب يولد حيث 
دفنت كرامة  
كنسائكم ملعونة 
مغتصبة ومنحورة.

انسكاب


أنسكب كما أنا

كما جراحي

على تراب يعفر أحذية المارة

يشطرني هذا الضياع

في الأفق…..نصفين

أحدهما كريه خبيث

كرائحة الموت في خنادق العسكر

والآخرشفاف

كروح بلا جسد

ثقيلة كالأنا الساكن في

كرغبة شهوانية حارقة

تضاجع امرأة وحيدة

أنسكب على رصيف الوقت

قطرات مالحة

آسنة كبحيرة بلدتي

تغطيني حمرة الشفق

أنتظرأن يأتي صبح

يلعق بعضا من دمي

الآسن….

لأحلق كنفحة ريح

ثم أنسكب علي

 رذاذا و ياسمين.

كازابلانكا

تبدو كازابلانكا ،المدينة الأليفة في غربتها، في ضوء النهار كغولة تفتح ذراعيها،تبتلع المارة فيضيع 

الكل داخل أحشائها المظلمة،تحتضن زواياها كل الأنواع من الناس فتشكل خليطا غريبا من الأجناس 


والأشكال والألوان .بين المحلات الفاخرة، تتسابق الفتيات للظفربآخر صيحة من السراويل القصيرة 


،والأقمصة الفاضحة والموضات العابقة بشدى باريس و رونق ميلانو و برد لندن الساحر،فتدسن بين 


الفينة والاخرى احدى بائعات الفطائراللائي تفترشن الارض في انتظار زبون.كانت رائحة عطور 


مستوردة، تدغدغني حتى بعد ان جلست في مقهى ،لأرتاح قليلا من الاصطدام بالمتسوقات 


المسرعات،استغرقت في تأمل الفنجان الأنيق الموضوع امامي، وربطة عنق النادل، فاصطدمت فجأة 


بعينين تحدقان في بإمعان،وشفتين تبتسمان بلؤم ماكر،بعد برهة مل الصياد برودي ،او ربما أنبأته 


غريزته بما عجزت عيناه عن رؤيته، فانصرف بخفة الى متابعة العرض المجاني  لارداف وأثداء وسيقان 


فاتنات المعاريف. دفعت ثمن القهوة الذي يساوي يوم عمل كامل في المنفى ومضيت وحدي ترافقني 


خيبة أمل. لا تتوقف سمفونية الكعوب العالية الا اجباريا عند الضوء الأحمر،حيث ينظرالراجلون إلى 


الراكبين بحسد، فيما يرمقهم الآخرون باستعلاء متباه،ثم تتعالى الأبواق،وينطلق سباق السيارات 


على الأسفلت المرصع بنتوء ات كظهورالحمير. أجري حتى الرصيف،وأرفع رأسي إلى السماء فلا 


أجدها،فلم يعد في أرض المدينة وسمائها إلا أكوام الإسمنت العملاقة ،تطل على الناس بسخرية 


صماء. أبتسم في وجه الشاب الوسيم،الذي يقف واجما يدخن سيجارة ،فأصطدم بملامحه 


الجامدة،ونظراته الفارغة من كل إحساس بالعالم. عندما أتعب من اللف في شوارع متشابهة 


كمتاهة،في كل زاوية تنام آلام ودموع رجال ونساء غدرت بهم الأيام،قبل أن ترميهم خارج الزمن أقف 


منتظرة الحافلة، وسط جمع غفيريقصد وجهات مختلفة تبدأ رحلتها هنا وتنتهي في اللامكان،حيث 


تنفصل النفس عن سجيتها،وتتمزق بين الدروب الضيقة والأحياء الجديدة المزدحمة.أنحشر وسط 


الأجساد،على أمل انعتاق قريب. تتراكض العمارات والساحات والشوارع واللوحات الإشهارية 


والوجوه،ثم يظهرالبحر رائعا شامخا كالعادة. انضممت إلى صف طويل من العشاق الذين أضجروا الازقة 


والشوارع بطوافهم المستميت واللجوج,جاؤوا أخيرا  ليتنفسوا حبا بطعم الملح. خيم علي حزن كبير 


عندما اكتشفت بحرا خاصا،وآخرعاما, يفصلهما جدار عازل, نظرت الى البعيد, فلم أر غير حرب باردة 


تتأجج في الافق.